حسناء ديالمة

266

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

يتحرّك مع موقع الاعتماد على القدرة المطلقة التي تسمو على جميع القدرات الأخرى ولا تقبل الضعف والتردّد . وعلى هذا النحو يشير الإمام أحيانا إلى العلاقة بين الرذائل ، ومثال ذلك قوله : « إياكم والخصومة في الدين فإنّها تورث النفاق وتكسب الضّغائن وتستجيز الكذب » « 1 » . اعتبر الإمام في هذا الكلام ، الخصومة ، سبيل إلى نشوء النفاق والضغينة وجواز الكذب ويرى هذه الرذائل الأربع ذات علاقة وثيقة فيما بينها . أجل ، بما أن كثيرا من الخصال تمثل الجذر والقاعدة المنتجة للصفات الأخرى ، لذا يهتم الإمام اهتماما خاصا بهذه الأمور الأساسية في تربيته الأخلاقية ليعين المتربّين في الالتزام بالسلوك الأخلاقي القويم . فمن جملة أبرز وأهم الفضائل الأساسية التي كان الإمام يوليها أهمية كبرى في تربية تلاميذه صفة « الحرية » ، فالصادق يرى أن الحرية حاجة أساسية من حاجات النفس لا بدّ من إشباعها ولا يستطيع الإنسان أن يكمل نفسه ويرقي أخلاقه ويصل إلى غايته إلّا إذا كان حرّا . الحرية من منظور الإمام أصل للكثير من الصفات الأخلاقية الحميدة ، حتى إن التحلي ببعض الخصال والإيجابيات منوط بتوفر خصلة الحرية عند الإنسان . وهذا ما ذكره في حديثه : « خمس خصال من لم تكن فيه واحدة منها فليس فيه كثير مستمتع : الوفاء والتدبير والحياء وحسن الخلق والخامسة تجمع هذه الخصال كلّها وهي : الحرّية » « 2 » . إن الحرية يراد منها تارة التحرر من الشهوات والأهواء ، وأخرى التحلل من التقليد والتبعية ، وثالثا الخلاص من القوة والسيطرة المعتدية ، وأي معنى من هذه المعاني الثلاثة فإن الإنسان يفقد شخصيته وإرادته إذا فقد الحرية ؛ لأن من تتحكم به العواطف والانفعالات ، أو يسيطر عليه الغير يستحيل عليه التدبير والوفاء ، وحسن الخلق والحياء ، يستحيل عليه التدبير أن يملك من أمره غير الخضوع والتسليم . ومن أجل هذا اعتبر الإمام الصادق الحرية أم الفضائل ورأس الأخلاق ، وفقدانها أم الرذائل وأصل المشكلات الشخصية والاجتماعية . ومن الصفات الأخلاقية المهمة الأخرى التي يعتبرها الإمام الصادق ينبوعا للفضائل الأخرى هي صفة الحياء . والحياء عبارة عن : « ظاهرة تعبّر عن الخوف من الظهور بمظهر النقص وتعبر عن علوّ همة النفس إلى الكمالات ونفورها من النقائص

--> ( 1 ) ابن الأثير ، المختار ، دمشق ، د . ت ، ص 22 . ( 2 ) الصدوق ، الخصال ، ص 284 .